الجحيم و الجنون (يوسف سبتي)
كتبهاحسين ، في 21 يناير 2008 الساعة: 21:56 م
"لم أمارس الثورة بل إنها الثورة التي مارستني"
******
في الجحيم ولدتُ
في الجحيم حييتُ
وفيَّ تكوّن كل الجحيم
وفي الجحيم, على الحقد-هذا المشعل الملتهم-
وُلدت زهورْ.
شممتُ الزهورْ
قطفتها فسرى داخلي ملل وفتورْ
وقفة. شهقة وظلال
أمل. وذهاب. إعادة
وغرام يضيع. غرام يهرّبُ. ثم غرامُ يجيء
وعلى درب الإعادة. . .
على درب الكفاح وجدتني في الجنون
وقفزت فيه
فعلقت بي طحالبه
وهاهو ذا الجحيم مستمرٌّ…
من المجرة إلى البحر
ومن البحر إلى المجرة
من الاحتراق صوب الغوص
الجحيم يستمر والرافضون إلى الجنون…
******
سأشم في كل حين
روائح الأوراق البالية
والطباشير والقلم المكسور
وقلم الحبر الصدئ الوسخ
سأشم في كل حين
روائح الحبر على طاولتي
وجلد محفظتي القديمة
وكتبي المسودة البالية
سأحُس في كل حين
بثقل الماضي, ثقل السنوات
وسأشم رائحة فمي الجائع
والأوساخ على ألبستي
وسأرى طوال حياتي
وجوها شاحبة ملغمة بالنظرات
وجباها معذبة
وأحقادا كبرت معي
******
في المنعرجات العالية
كانت الطيور تحلّق
كان لحن حزين يتصاعد بجلال
كانت الطيور ترفرف قرب البحر
ضاربة بجناحيها من حين لآخر
يا أيها الثعبان المسجون منذ الأزل
يا نهر الرمال إنك تحبو هربا من زنزانتك أسود, وسخا، عبثا، تحاول الهرب
وأبدا, تعلم جيدا, أبدا لن تخرج من هنا
ولكنك تصر دائما وتزداد سجنا
وتُغلب على أمرك, أتريد أن تخفي سخطك؟
أم أنك بذلك تحفر قبرك الأزلي؟
******
أيتها الزيتونة الكبرى
يا شجرة السلام
أنت يا شاهدة على لعبي
أنت يا راعية لقريتي حدثيني
لماذا ترتعش أوراقك هكذا
ما بك؟
أجيبيني
هل سيأتي يوم تُقدسين فيه أكثر من ذي قبل؟
آنذاك فقط سنهدي الأصدقاء غصنا منك.
سنركع لدى قدميك
ونحرق البخور فداك
وستغطي ظلالك
المدن
القرى
البوادي
سنكون سعداء وتختفي الحرب آنذاك
******
لا أجيد الحديث عن باريس
وشوارعها وأضوائها الذهبية
وعذراواتها الباسمات
وعن برجها الحائر الكبير
لا أجيد الحديث عن "البندقية"
عن مياهها وشطآنها
عن سقوفها وبيوتها الزرق
ولاعن ساحاتها المستغنية
عن الظلال
لا أجيد الحديث عن لندن
بضبابها وأمطارها
بأشباحها وظلالها
وبنهر "التايمس"ولاعن لياليها
ولا حتى أجيد الحديث
عن الجزائر العاصمة
"وقصبتها" الرطبة المظلمة
ومسجدها الأبيض الشامخ
ولاعن شمسها وأكواخها
لا أجيد الحديث عن النفَس الساخن
العابر لوجنتي ولوجهي
وعن أفعى رقيقة ورشيقة
وعن شعرها يذرع عنقها
لا أجيد الحديث عن البيوت المغلقة
بأسرّة المومسات الرخوة
وعن النظرة العميقة القاسية
لوجه ذابل ومتعالٍ
لا أجيد الحديث عن جسمها
إذا يتلوى بين ذراعي
وقلبينا إذ يدقان بقوة
ولا عن فرائصها المرتعدة تحت الغطاء
مستعمرا, مذلولا
ليس شيئا سوى نفي
فاجرا, ملعونا إلى الأبد
لست شيئا سوى بقايا شهوات عابرة
******
ثلاثة أيام
القلق
انتظار العودة والنهاية
الامتحان يمرّ بسخط كبير
قسنطينة
أناس كثيرون يمرون, ينزلقون, يهربون
مستلقيا
على وجهي وجبهتي تعانق حديد السرير كنت أبكي, أئن
كنت وحيدًا
وحيدًا
وحيدًا
وحيدًا حدّ الشفقة
عاجزا عن السكوت
عاجزا عن الصبر في ليلة نهاية "مايو" هذه
والشمس تتخلص من أشعتها الأخيرة
لقد سألتكم سابقا يا… يا حقول
يا سياج
يا زيتون
يا زان
يا غاب
يا شمس
يا سماء
يا الله
يا مسالك,
صوتا واحدا كان الجواب دائما
الحرب!
******
يا جبالا تسير, دوما إلى الأبدية
ويا روابي خضر الثياب مضمخة بالأمجاد
وأنت, أيتها الجبال المسافرة دومًا بلا راحة
حدثيني رجاء, إروي لي تاريخنا
******
ظلال غامضة الأشكال
كانت تقف صلبة كالأشباح
وصومعة حائرة
يفاجئها طلوع النهار
وأمل, أكاد أراه ينبت بين طيات القلوب المكلومة
******
الثورة… السآمة والأمل
الثورة… السحر والكذب
الثورة… كلمة فصل على ألسنة فصل
الثورة… الثورة… الثورة… ملجأ المحرومين جميعًا
******
مسكين أيها العصفور
لقد ارتطمت بالأعمدة الباردة لقفصك
وقد صرخت بكاء وألما وشكوى
ولكن, لم تواسك سوى رفرفة جناحيك.
كان اسمه عادل!
وجاء ذات صباح ذات صيف
كانت الكلاب تنبح
وكان الظلام مخيّمًا
استيقظت القرية بهدوء
فوجدت العساكر تحيط بنا
كل منا حجز أنفاسه
وظل ينتظر دقا على الباب
في 5 جويلية 1958
وانطلقنا…!
كانت الشمس مشارفة على الغروب حين خرجنا
ولأن دماغي يشتغل
كنت أخترع لعمتي أزواجًا
وأعيد تزويج أبي
وكان لي ستة عشر أخا
المكتب الثاني
الدرك
البوليس, العسكر, الفوضى, العفن,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابات | السمات:كتابات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























