ثورة أولاد عيدون 1871
كتبهاحسين ، في 14 فبراير 2008 الساعة: 22:21 م
تقديم:
كانت منطقة الميلية بداية سنة 1871 تعيش في هدوء من وجهة النظر الفرنسية باعتبارها لم تعرف أية أحداث تدل على عدم رضا السكان عن الوجود الاستعماري الدخيل منذ حوالي 6 سنوات ، إلا أن ذلك لم يكن في حقيقة الأمر سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة، خاصة و أن نية المستعمر قد بانت أمام أعين الجميع ، فقد شرعت شركات المستوطنين في استغلال غابات الفلين التي تشتهر بها المنطقة فارضة قوانينها على السكان بقوة الحديد و النار، كما شرع في استغلال الأراضي الصالحة للزراعة من قبل المعمرين و بتشجيع من الجيش الذي أدرك ضرورة العمل على فرض الاستيطان أي زيادة العنصر الأوروبي للنجاح في بسط سيطرته على هذه البلاد.
على المستوى العام شهدت السنة التي سبقت ثورة أولاد عيدون انهيار الحكم العسكري إثر هزيمة فرنسا على يد ألمانيا و استسلام نابليون الثالث للمستشار الألماني بسمارك، و قد كان لسقوط الإمبراطورية و قيام الجمهورية أثره المباشر على الأوضاع بالجزائر تميز على وجه الخصوص بالبروز القوي للمعمرين عن طريق الضغط الذي كانوا يمارسونه على حكومة باريس قصد زيادة أعدادهم و منحهم المزيد من الامتيازات.
و عرفت المنطقة الشرقية بداية السنة تحويل القائد العام للجيش بقسنطينة و قائد أركانه، اللذين عملا هناك منذ خمسة و ثلاثين سنة، فقد صدر مرسوم يتضمن تحويلهما إلى باتنة، التي اختيرت لتكون مقرا للقيادة العسكرية، حيث التحقا بمكان عملهما الجديد ابتداء من تاريخ 19 جانفي 1971. حدث آخر ذو أهمية بالغة يجدر الإشارة إليه هنا و هو حادثة التمرد التي حدثت بسوق هراس يوم 22 جانفي و التي قام بها بعض الجنود الصبايحية إثر القرار الذي صدر بخصوص نقلهم إلى فرنسا، حيث قامت السلطات العسكرية الفرنسية بتسخير قوة عسكرية بقيادة الجنرال بوجي للقضاء على التمرد.
و بناء عليه، فقد كانت الحالة النفسية للسكان بالمنطقة سيئة للغاية، مثلها مثل باقي جهات البلاد، فشرارة واحدة كانت تكفي لإشعال نار الثورة و التمرد، و رغم فشل المحاولات السابقة في مقاومة المحتل فإن الأمل في طرده ظل كامنا في نفوس أفراد هذا الشعب الثائر أبا عن جد، و هو ما حدث كما يلي تفصيله
13 فيفري 1871
يوم الاثنين 13 فيفري 1871،(اليوم السابق لموعد السوق الأسبوعي) اجتمع قادة التمرد الدين يمثلون مختلف القبائل بمناسبة حفل زفاف لدى أولاد حناش، إحدى فروع أولاد عيدون. و هنا تقرر بأن يقوم بعضهم بعد إخفاء بنادقهم بالغابة الكائنة قرب سوق الميلية بنهب محلات التجار في حين يتولى الآخرون التسلل من خلال الأحراش قرب البرج، في انتظار الفرصة المناسبة للانقضاض على المساكن المحيطة بهذا المركز، و مخيم الجنود و بالتالي على البرج في حد ذاته بهدف السيطرة عليه.
يجدر التذكير هنا بأن مركز القيادة المعروف بـ " برج الميلية " كان قد بني سنة 1858، على الضفة اليمنى للوادي الكبير، ليكون مقرا لإقامة أحد الضباط يكلف بالمراقبة و الإدارة المباشرة لسكان قبائل المنطقة التي كانت في حالة غليان دائم، و بالتالي حماية الصناعة القائمة على استغلال الغابات بكل فعالية، و ككل البنايات من هدا النوع، فبرج الميلية يوجد فوق قمة ربوة، و لا يتكون إلا من مسكن متواضع وسط ساحة كبيرة محاطة بسور مسنن ، يجاوره حصن مسلح بمدفع. على منحدر الربوة، خارج الساحة توجد منازل صغيرة وأكواخ، مشغولة من قبل عائلات الفرسان العاملين تحت إشراف الضابط، و أخيرا و بمكان مستوي إلى الأسفل يوجد المكان المخصص لمخيم القوات العسكرية التي يتم إرسالها إلى الميلية عند الضرورة، و قد كانت المجموعة المتواجدة بعين المكان في هذا الوقت تتألف من فوج يضم 60 جنديا من قوات الحرس (gardes mobiles) التابعة للفرقة 43 (بوش دو رون) تحت إمرة النقيب فيلار Vilar
يقع السوق الأسبوعي للميلية - أين أقيمت بعض الهياكل المسقوفة تستعمل كمحلات للتجار المتجولين - في منخفض أرضي على مرمى بندقة من البرج.
و كان يقود ملحق الميلية النقيب سارجان Sergent ، و هو ضابط يتميز بالنشاط و الحيوية.
خلال الأحداث التي اندلعت سنة 1864 بسهل الوادي الكبير، لم تشترك بها أولاد عيدون و هي القبيلة التي يتواجد البرج على ترابها رغم تعهدها بدلك ، مما قد يوحي بتأثر سمعتها بين القبائل الأخرى، و ها هي اليوم تأخذ زمام المبادرة باللجوء إلى السلاح لوحدها من أجل هدف واحد كما عبروا عنه و هو " القضاء على الحشرات التي تركها الفرنسيون بعد مغادرتهم لجبالهم " في إشارة إلى القوات المرابطة بالميلية. من جهة أخرى لم يترددوا في تنظيم الهجوم دون الاستعانة بحلفائهم – كما صرحوا فيما بعد – لاقتناعهم بعدم قدرة الفرنسيين على المواجهة في ظل الظروف التي يتواجدون بها و التي أوصلتهم إلى حد اللجوء إلى الاستعانة بتسليح اليهود، مما يوحي بأن القضاء عليهم هو في متناول أيديهم.
14 فيفري 1871
تفاصيل الهجوم المباغت كما تم التخطيط له تم تبليغها إلى كل فروع قبيلة أولاد عيدون، و في اليوم الموالي 14 فيفري كان الجو ماطرا، و تأخر افتتاح السوق على غير العادة ، كان المهاجمون في أماكنهم غير أن انتظارهم طال دون أية نتيجة مما كانوا ينتظرون، فلم يروا أي جندي خارج المعسكر أو أي زعيم محلي ، إلا أنهم لاحظوا بأن قايد أولاد عواط كان يراقب كل تحركاتهم منذ فترة، مما أوحى لهم بأن خطتهم تكاد تفشل ، و هنا تقرر البدء في تنفيذ الهجوم، فكانت البداية بالمحلات الكائنة بالسوق حيث تم الاستيلاء على محتوياتها في لحظات.
أما داخل البرج فكان النقيب سارجان قد علم خلال الليل بالهجوم الذي تم التخطيط له، فما كان عليه إلا أخذ احتياطاته، و ذلك بمنع خروج الجنود و الصبايحية حيث لازموا أماكنهم، الشيء الذي حال دون تمكن المهاجمين من إنجاز خطتهم كما ينبغي، غير أن السوق كان محل هجوم كاسح، إضافة أنهم قاموا بحرق المنازل و الأكواخ المجاورة للبرج و كذا الاستيلاء على مواشي الصبايحية.
بعدها مباشرة انطلقت أصوات الرصاص بكثافة من وسط أشجار الزيتون و من جميع النقاط المرتفعة المحيطة بالبرج، معلنة بداية المواجهة المسلحة، هذه المواجهة استمرت ثلاثة أيام كاملة. و بعد أن قام قائد الملحقة العسكرية بإعلام قسنطينة عما يدور حوله، تم قطع خط التلغراف كما تم تخريب قناة المياه التي تزود البرج.
و تحت التأثير القوي للنقيب سارجان الذي تحلى ببرودة الدم اللازمة في مثل هذه الوضعيات، إضافة إلى سوء التحضير و التسرع في تنظيم الهجوم من قبل المهاجمين ، استطاعت الفرقة العسكرية الفرنسية المقاومة و مواجهة حصار كان يمكن أن تلقى على إثره إبادتها الكاملة.
في ظل الحصار المضروب، تقدم بعض أعيان المناطق المجاورة معلنين استسلامهم، فجاء كل من القايد بوية من بني تليلان ، و القايد بن مراجي من بني خطاب و القايد بوزيان من أولاد عواط مرفقين بخدمهم الأكثر وفاء متخذين أماكنهم أسفل البرج للمساهمة في الدفاع عنه، غير أن مساهمة أتباع هؤلاء القياد لم تكن تتميز بالحماس و الحيوية المطلوبة، فكانوا يطلقون النار بشكل عشوائي، مشككين في قدرة الفرنسيين على المقاومة، ثم أنه من مصلحتهم مهادنة الثوار المهاجمين أبناء جلدتهم الدين كان انتصارهم يبدو مضمونا منذ البداية.
كان البرج في أثناء الحصار يضم ما يلي:
- 71 جنديا فرنسيا
- ثلاث نساء، من بينهم السيدة سارجان و ابنه،
- السيدين بروني و لوفافر (Brunet,Lefèvre) الحاصلين على امتياز استغلال الغابات
- 180 من السكان المحليين من الجنسين ، من بينهم 65 مسلحا، و هم القياد و الشيوخ و الصبايحية الدين تقدموا طلبا للحماية.
و هكذا كانت وضعية المحاصرين تنبئ بظروف أكثر سوء بسبب نقص الماء، فخزان البرج لم يعد به الكثير، مما حتم اللجوء إلى اعتماد نظام حصص ليكون كافيا لعدة أيام.
سبقت الإشارة إلى أنه تم إعلام قسنطينة بالوضع على مستوى الميلية قبيل قطع خط التلغراف. و خلال ليلة اليوم الثالث من الحصار، تمكن أحد المحاصرين من التسلل و نقل رسالة إلى قسنطينة تتضمن بعض التفاصيل عن وضعية المقاومة التي يخوضها الجنود الفرنسيون، و التي اعتبرها المستعمرون مقاومة بطولية خاصة و أن الأمر يتعلق بعزلة الفرقة العسكرية المتمركزة بالميلية وسط منطقة جبلية ، تقع على بعد 60 كلم من أقرب مركز أوروبي.
و أمام عدم تمكن المهاجمين من اقتحام البرج عن طريق السلاح، قرر أولاد عيدون إحكام الحصار و الاعتماد على عامل الوقت لإجبار المحاصرين على الاستسلام تحت تأثير الجوع و العطش، عندما نعرف طبيعة البلاد و مميزات سكانها يمكننا تصور ما كان ممكن الحدوث لو أن هذه الانتفاضة اندلعت شهر أو شهرين قبل هذا التاريخ ، أي عندما كانت قسنطينة خالية من القوات. عندها كانت الميلية ستسقط لا محالة، و سوف يكون الأثر النفسي لهذا الإنجاز كبير جدا على السكان لتنتشر الانتفاضة و تتوسع بشكل كبير.
و هكدا كانت انتفاضة الميلية و الإجراءات الاستعجالية التي تطلبها الوضع هي الدافع وراء إعادة التفكير في عملية استدعاء القائد العام للقوات إلى مركز عملياته المعتاد.
17 فيفري 1871:
بقرار اتخذ في أعلى مستوى عاد الجنرال و قائد عملياته إلى قسنطينة، أي بعد شهر واحد من تاريخ مغادرته لها.
19 فيفري 1871:
في مساء دلك اليوم شوهد من قسنطينة دخان كثيف خلف جبال بني موية ، و أثناء الليل بدى السماء متوهجا بتلك الجهة بفعل ألسنة اللهب لحريق مهول. بقسنطينة لم تصل أية أخبار عن الميلية فكانت الفرصة لتضارب المعلومات فالبعض يزعم بأن البرج كان قد أحرق و تم القضاء على القوات المرابطة داخله، في حين يؤكد البعض الآخر بأن المقاومة مازالت مستمرة و هو الشيء الذي زاد من قلق الفرنسسين رغم أن القوات التي أرسلت لنجدة المركز كانت في الطريق إلى الميلية.
بالصدفة وصل ميناء سكيكدة فيلقان من القوات المحلية و القناصة، و بالإضافة إلى القوة التي شاركت في حملة سوق أهراس، و كدا مجندوا ساحل الذهب، و الكتيبة الحرة التي تعرف بكتيبة المنصورة، و أخيرا وبعد تجميع القوات من كل جهة نظم الجنرال أوجرود Augeroud حملة قوامها 3000 رجل، كما تم وضع كتيبتين مشكلتين من ميليشيات قسنطينة في مشتى ’نهار’ لضمان الإمداد للحملة، كما تم وضع كتيبتين إضافيتين من نفس الميليشيات في استعداد للتدخل على مستوى ميلة .
22 فيفيري 1871:
أثناء دخول حملة الجنرال بوجي لحدود ملحقة الميلية في الثاني و العشرين من شهر فيفري هوجمت من قبل بني تليلان خلال الليل بمنطقة الماء لبيض حيث قدم لمساعدتهم أغلب القوات التي شاركت أثناء بداية حصار الميلية، بعد دلك واصل الفرنسيون تقدمهم و اشتبكوا مع المقاومين بكل من كاف لغراب ثم كاف زرزور.
في هذا الوقت كانت قوات أخرى في طريقها للتدخل، فمن ناحية أخرى أمر الجنرال أوجرود النقيب فيفنسانغ القائد العام للقل بتجميع القوات المحلية بالمنطقة و السير على رأس القوة الصغيرة التي توجد تحت إمرته لمهاجمة القبائل المنتفضة. وقد تشكلت القوة التي انطلقت من القل من فيلق يضم 600 رجل من مجندي منطقة الألب البحرية (غراس) التي وصلت لتوها من فرنسا ، بالإضافة إلى قوات مساعدة من السكان المحليين تم تجميعهم من قبل القايد السعودي بمساعدة كل من بانيني و بكير.
كانت القوات المجمعة بكل من بني مهنة و أولاد قبلي و بني توفوت قد وضعت منذ 18 فيفري تحت قيادة النقيب بون Pont ، رئيس مكتب الشؤون المحلية بالقل، و كانت الحملة المشكلة من الجنود و المجندين المحليين تتكون في مجموعها من حوالي 2300 مقاتل. و كانت أول مهمة لها هي إعادة الهدوء إلى بعض فروع قبائل أولاد الحاج و بني توفوت المجاورة لمنطقة الانتفاضة قبل التقدم لمساعدة القوة المحاصرة داخل برج الميلية منذ تاريخ 14 فيفري.
عند وصول القوات الفرنسية إلى حدود منطقة لعشاش، و خوفا من تعرض ممتلكاتهم للنهب ترك سكان المنطقة أماكنهم بجوار البرج و الانتقال للدفاع عن مساكنهم.
تمت عملية انضمام الفيلق الذي انطلق من القل مع القوات المساعدة، و ابتداء من الخامس و العشرين كان الجميع بمنطقة مجاز الزانة و هي عبارة عن ربوة مرتفعة من خلالها يمكن مراقبة حركة المقاومين ، و اجتازت قوات الإسناد المحلية واد لعشاش و دخلت في تبادل إطلاق نار كثيف مع سكان قرى المنطقة و تمكنوا من دفعهم للتراجع عن مواقعهم و قاموا بإحراق حوالي 60 من أكواخهم، و واصلوا تقدمهم في محاولة للاستيلاء على قطعان الماشية التي تم توجيهها من قبل النساء و الأطفال نحو قمة جبل سروج، لولا وصول أمر من الجنرال بوجي مفاده توقيف المتابعة، فقد تقدم كبار لعشاش إلى مخيمه لطلب الأمان.
27 فيفري 1871:
فرقة القل وصلت للالتقاء بحملة بوجي بمنطقة النايمة ، و في صبيحة يوم 27 فيفري 1871 كانت قوات الإسناد لبني مهنة رفقة فيلق مجندي منطقة غراس ضمن طليعة الحملة المتقدمة باتجاه الميلية.
28 فيفري 1871:
بعد تجدد الاشتباك واصلت الحملة طريقها حيث بلغت الميلية يوم 28 فيفري، وأخيرا تنفس المحاصرون الصعداء عند رؤيتهم للقوات بأعالي المدينة ، للعلم فقد تعرض النقيب سارجان (قائد البرج) للإصابة إثر طلق ناري تلقاه عند محاولته تنظيم عملية الخروج ، فيما قتل و جرح العديد من جنوده ، و كانت آثار الحصار بادية على الجميع خاصة في ظل نقص الماء و الأكل ، و قد كان وصول القوات الفرنسية بمثابة حبل نجاة من مصير مجهول.
أقام الجنرال بوجي مخيمه بالقرب من البرج من 28 فيفري إلى غاية 6 مارس، و خلال هذه الفترة قامت القوات الفرنسية بحملة قمع غير مسبوقة، تمثلت في عمليات القتل الجماعية و الاعتقال العشوائي ، و كدا حرق منازل و ممتلكات السكان و أخيرا مصادرة الأراضي و ما تبقى من ممتلكات ، قبل الشروع في عملية تجميع العديد من السكان و نفيهم إلى جزيرة كاليدونيا بالمحيط الهادي. و حسب المصادر الفرنسية فقد بلغ عدد الأسرى 400 شخص فيما استولى الجيش الفرنسي على 900 بندقية.
و قد كانت ثورة أولاد عيدون من بين الاحداث الهامة التي مهدت لثورة المقراني التي اندلعت ابتداء من تاريخ 16 مارس 1871
المصدر الرئيسي: المجلة الإفريقية – الجزء رقم 20 -
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تاريخ | السمات:تاريخ
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























