تقديم:
كانت منطقة الميلية بداية سنة 1871 تعيش في هدوء من وجهة النظر الفرنسية باعتبارها لم تعرف أية أحداث تدل على عدم رضا السكان عن الوجود الاستعماري الدخيل منذ حوالي 6 سنوات ، إلا أن ذلك لم يكن في حقيقة الأمر سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة، خاصة و أن نية المستعمر قد بانت أمام أعين الجميع ، فقد شرعت شركات المستوطنين في استغلال غابات الفلين التي تشتهر بها المنطقة فارضة قوانينها على السكان بقوة الحديد و النار، كما شرع في استغلال الأراضي الصالحة للزراعة من قبل المعمرين و بتشجيع من الجيش الذي أدرك ضرورة العمل على فرض الاستيطان أي زيادة العنصر الأوروبي للنجاح في بسط سيطرته على هذه البلاد.
على المستوى العام شهدت السنة التي سبقت ثورة أولاد عيدون انهيار الحكم العسكري إثر هزيمة فرنسا على يد ألمانيا و استسلام نابليون الثالث للمستشار الألماني بسمارك، و قد كان لسقوط الإمبراطورية و قيام الجمهورية أثره المباشر على الأوضاع بالجزائر تميز على وجه الخصوص بالبروز القوي للمعمرين عن طريق الضغط الذي كانوا يمارسونه على حكومة باريس قصد زيادة أعدادهم و منحهم المزيد من الامتيازات.
و عرفت المنطقة الشرقية بداية السنة تحويل القائد العام للجيش بقسنطينة و قائد أركانه، اللذين عملا هناك منذ خمسة و ثلاثين سنة، فقد صدر مرسوم يتضمن تحويلهما إلى باتنة، التي اختيرت لتكون مقرا للقيادة العسكرية، حيث التحقا بمكان عملهما الجديد ابتداء من تاريخ 19 جانفي 1971. حدث آخر ذو أهمية بالغة يجدر الإشارة إليه هنا و هو حادثة التمرد التي حدثت بسوق هراس يوم 22 جانفي و التي قام بها بعض الجنود الصبايحية إثر القرار الذي صدر بخصوص نقلهم إلى فرنسا، حيث قامت السلطات العسكرية الفرنسية بتسخير قوة عسكرية بقيادة الجنرال بوجي للقضاء على التمرد.
و بناء عليه، فقد كانت الحالة النفسية للسكان بالمنطقة سيئة للغاية، مثلها مثل باقي جهات البلاد، فشرارة واحدة كانت تكفي لإشعال نار الثورة و التمرد، و رغم فشل المحاولات السابقة في مقاومة المحتل فإن الأمل في طرده ظل كامنا في نفوس أفراد هذا الشعب الثائر أبا عن جد، و هو ما حدث كما يلي تفصيله
13 فيفري 1871
يوم الاثنين 13 فيفري 1871،(اليوم السابق لموعد السوق الأسبوعي) اجتمع قادة التمرد الدين يمثلون مختلف القبائل بمناسبة حفل زفاف لدى أولاد حناش، إحدى فروع أولاد عيدون. و هنا تقرر بأن يقوم بعضهم بعد إخفاء بنادقهم بالغابة الكائنة قرب سوق الميلية بنهب محلات التجار في حين يتولى الآخرون التسلل من خلال الأحراش قرب البرج، في انتظار الفرصة المناسبة للانقضاض على المساكن المحيطة بهذا المركز، و مخيم الجنود و بالتالي على البرج في حد ذاته بهدف السيطرة عليه.
يجدر التذكير هنا بأن مركز القيادة المعروف بـ " برج الميلية " كان قد بني سنة 1858، على الضفة اليمنى للوادي الكبير، ليكون مقرا لإقامة أحد الضباط يكلف بالمراقبة و الإدارة المباشرة لسكان قبائل المنطقة التي كانت في حالة غليان دائم، و بالتالي حماية الصناعة القائمة على استغلال الغابات بكل فعالية، و ككل البنايات من هدا النوع، فبرج الميلية يوجد فوق قمة ربوة، و لا يتكون إلا من مسكن متواضع وسط ساحة كبيرة محاطة بسور مسنن ، يجاوره حصن مسلح بمدفع. على منحدر الربوة، خارج الساحة توجد منازل صغيرة وأكواخ، مشغولة من قبل عائلات الفرسان العاملين تحت إشراف الضابط، و أخيرا و بمكان مستوي إلى الأسفل يوجد المكان المخصص لمخيم القوات العسكرية التي يتم إرسالها إلى الميلية عند الضرورة، و قد كانت المجموعة المتواجدة بعين المكان في هذا الوقت تتألف من فوج يضم 60 جنديا من قوات الحرس (gardes mobiles) التابعة للفرقة 43 (بوش دو رون) تحت إمرة النقيب فيلار Vilar
يقع السوق الأسبوعي للميلية - أين أقيمت بعض الهياكل المسقوفة تستعمل كمحلات للتجار المتجولين - في منخفض أرضي على مرمى بندقة من البرج.
و كان يقود ملحق الميلية النقيب سارجان Sergent ، و هو ضابط يتميز بالنشاط و الحيوية.
خلال الأحداث التي اندلعت سنة 1864 بسهل الوادي الكبير، لم تشترك بها أولاد عيدون و هي القبيلة التي يتواجد البرج على ترابها رغم تعهدها بدلك ، مما قد يوحي بتأثر سمعتها بين القبائل الأخرى، و ها هي اليوم تأخذ زمام المبادرة باللجوء إلى السلاح لوحدها من أجل هدف واحد كما عبروا عنه و هو " القضاء على الحشرات التي تركها الفرنسيون بعد مغادرتهم لجبالهم " في إشارة إلى القوات المرابطة بالميلية. من جهة أخرى لم يترددوا في تنظيم الهجوم دون الاستعانة بحلفائهم – كما صرحوا فيما بعد – لاقتناعهم بعدم قدرة الفرنسيين على المواجهة في ظل الظروف التي يتواجدون بها و التي أوصلتهم إلى حد اللجوء إلى الاستعانة بتسليح اليهود، مما يوحي بأن القضاء عليهم هو في متناول أيديهم.
14 فيفري 1871
تفاصيل الهجوم المباغت كما تم التخطيط له تم تبليغها إلى كل فروع قبيلة أولاد عيدون، و في اليوم الموالي 14 فيفري كان الجو ماطرا، و تأخر افتتاح السوق على غير العادة ، كان المهاجمون في أماكنهم غير أن انتظارهم طال دون أية نتيجة مما كانوا ينتظرون، فلم يروا أي جندي خارج المعسكر أو أي زعيم محلي ، إلا أن
المزيد