جريدة الشروق يوم 2009/05/14
محمد فارح .. مصحح خطابات بومدين والشاذلي ومطارد أخطاء العربية
-
رأى نور الحياة في الخامس من ماي سنة 1930 بمدينة الميلية الواقعة شمال قسنطينة ولاية جيجل حاليا. نشأ في أسرة متواضعة محبة للعلم، فكان أن أدخله والده "جامع" القرية في سن الثالثة، فعكف على قراءة القرآن وحفظه على يدي شيخه "قريب الوالد" أحمد بن المشربط، الذي كان صارما في طريقة تعليمه، لكنه توقف عن ارتياد الجامع بسبب ظروف اجتماعية قاهرة، منعته من المواصلة، فراح يساعد والده الذي كان يطرق مختلف الأعمال الشريفة لكسب لقمة العيش. ولأن محمد فارح كان مولعا بطلب العلم يثنه عمله مع والده في سن مبكرة من مواصلة حفظ القرآن الكريم بشكل عصامي وهو يرعى الغنم أو يجلس في الغابة أو يسير في الطريق.
-
وعندما بلغ سن السادسة عشرة، دفعته رغبة الإبحار في طلب العلم إلى البحث عن زاوية تعلم علوم القرآن ينتسب إليها، فجره القدر إلى زاوية واقعة بسيدي خليفة ولاية ميلة تسمى "أولاد سيدي الشيخ"، وهناك حفظ القرآن حفظا جيدا، كما تمكن من تعلم رسومه وتعلم مبادئ اللغة العربية والفقه الإسلامي، ورغم حفظه الجيد للقرآن إلا أنه ظل بالزاوية سنة أخرى لتكراره. وبعدها تطلع إلى الالتحاق بالجامع الأخضر بقسنطينة الذي جعل منه الشيخ عبد الحميد بن باديس منارة للعلم ملأت شهرتها الآفاق، فكان له ذلك، حيث التحق بمعهد ابن باديس سنة 1950.
-
-
قصته مع أحمد رضا حوحو والتحاقه بمعهد ابن باديس
-
يقول الأستاذ محمد فارح "عندما دخلت معهد الشيخ ابن باديس رحمه الله، استقبلني الأديب الكبير أحمد رضا حوحو، وأجرى معي امتحان القبول، وأتذكر أنه سألني: ما اسمك؟ فقلت له: فارح محمد بن رابح، فرد علي: "يا سلام اسمك يبدأ بالفرح وينتهي بالربح"، وكان من حظي أن قبلت للدراسة في هذا المعهد الأصيل. لذلك بذلت جهدا كبيرا لأفوز برضا شيوخي ومنهم "عبد الرحمان شيبان، إبراهيم مزهودي، العدوي، عبد القادر الياجوري، محمد الصالح بن عتيق، عمار بوصبيع والطاهر حراث..".
-
وفي بداية سنة 1954 تحصل الأستاذ محمد فارح على شهادة الأهلية من معهد ابن باديس بملاحظة الامتياز، التي كانت من نصيبه ونصيب أحد زملائه يدعى لزرق بن علو. وقد أهله تفوقه إلى الاستفادة من إرساله من طرف جمعية العلماء في بعثة تعليمية، لكن الاستعمار منعه من تحقيق غايته. لكن ذلك لم يثن عزمه، فسافر إلى تونس والتحق بجامع الزيتونة أواخر سنة 1955، وكانت الثورة الجزائرية في سنتها الثانية.
-
-
كان يحرق حقول المعمرين خلال هجومات 20 أوت
-
كانت أول مشاركة للأستاذ محمد فارح في الثورة التحريرية خلال هجومات 20 أوت 1955، عندما التحق بأول خلية ثورية بمنطقة الميلية، وقام إلى جانب ثلة من رفقائه بإحراق حقول المعمرين والقيام ببعض العمليات ضد المستعمر. وفي تونس لم يكف عن نشاطه الثوري بل جند نفسه في صفوف النضال الطلابي في جمعية الطلبة الجزائريين، ثم في اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين في تونس. ومن جملة الأسماء التي كانت إلى جانبه في تلك الفترة المناضل عبد الحميد مهري والمذيع الراحل عيسى مسعودي وغيرهما.
-
-
بغداد وذكريات العلم والنضال
-
في سنة 1957 تحصل الأستاذ محمد فارح على شهادة التحصيل، ثم شهادة العالمية. ولما تكونت الحكومة الجزائرية المؤقتة، قامت هذه الأخيرة بإرسال بعثات علمية إلى مختلف البلدان العربية، فحدث أن رشح من طرفها لاستكمال دراسته بجامعة بغداد، وبالفعل التحق بها سنة 1959، منسبا إلى كلية الآداب، وهناك اعتكف على الدراسة على أيدي أساتذة مشهورين منهم الطاهر جواد ومصطفى جواد صاحب "قل ولا تقل في اللغة العربية" إلى النضال الثوري الذي لم يفارقه. وفي سنة 1962 تخرج منها بشهادة بكالوريوس "الليسانس" في اللغة والأدب العربي.
-
-
رفضت والدته سفره للقاهرة للعمل في السلك الديبلوماسي فحقق رغبتها
-
عاد من العراق إلى أرض الوطن غداة الاستقلال، وشكل ملفا للالتحاق بوزارة الخارجية، وبعد قبول التحاقه تقرر أن يرسل إلى سفارة الجزائر بالقاهرة، لكن والدته رفضت سفره، فنزل عند رغبتها. ولأنه كان يحب التدريس التحق بثانوية مليكة قايد بسطيف، وبعد سنة واحدة عاد إلى العاصمة والتحق بثانوية المقراني ببن عكنون كأستاذ للغة والأدب العربي، وهناك قضى 14 سنة، ويشهد الجميع أنه نجح في آداء مهمته في تنشئة أجيال في لغة القرآن رغم صرامته المشهود بها، وذلك ما جعل اقتراحات اعتلاء المناصب لا تتوقف. وفي سنة 1976 اقترح عليه عبد الحميد مهري الذي كان مديرا للمدرسة العليا لتكوين الأساتذة أن يلتحق بالمدرسة، وهو ماتم بالفعل. بعد ذلك اقترح عليه إسماعيل حمداني رئيس الحكومة الأسبق، الذي كان يشغل منصب أمين عام مساعد بالرئاسة أن يساهم في الصياغة اللغوية للميثاق الوطني، غير أن تلك الفترة كانت فترة امتحانات البكالوريا، فقبل الأستاذ محمد فارح العرض على شرط أن ينتهي من تصحيح البكالوريا.
-
-
من أهم اللغويين الذين صاغوا الميثاق الوطني وراجعوا خطابات الرؤساء
-
يقول الأستاذ محمد فارح: "عندما وصلت إلى رئاسة الجمهورية استقبلني إسماعيل حمداني، وأحضر لي مجموعة من الوثائق وطلب مني التدقيق في نصوصها لغويا، فأخذتها معي وفي اليوم الموالي كنت قد وضعت عليها ملاحظاتي وأعدتها له. وعندما أخذها إسماعيل حمداني إلى الرئيس الراحل هواري بومدين، قال له: الآن وجدنا من كنا نبحث عنه. وعندما فرغ من المساهمة في التصحيح اللغوي لنصوص الميثاق الوطني، عرض عليه الرئيس بومدين عن طريق إسماعيل حمداني منصب مستشار تقني بالرئاسة، وبعد تردد لمدة ثلاثة أشهر، التحق بالرئاسة سنة 1976، وكان من أهم مهامه صياغة النصوص والقوانين، والمراجعة اللغوية لخطابات الرئيس بومدين ثم الشاذلي بن جديد بعد ذلك".
-
-
جريدة الشعب.. الثقافة للجميع
-
التحق الأستاذ محمد فارح بجريدة الشعب ككاتب صحفي منذ فجر الاستقلال، وبقي فيها طيلة 34 سنة، يكتب المقالات بشكل يومي ودون انقطاع، ومن بين الأركان التي كان يعدها "الثقافة للجميع" و"الخطأ والصواب" وهي صفحة مشكولة.
-
-
طيلة سنوات بث برنامج "لغتنا الجميلة" لم يطالب يوما بدينار
-
أما عن قصة برنامجه الإذاعي الشهير "لغتنا الجميلة" الذي كانت تبث منه 03 حلقات في الأسبوع، و03 مرات في اليوم يقول الأستاذ محمد فارح: "لم يكن يعجبني أن أسمع اللغة العربية والألسن تشوهها على مسمعي، ومن محاسن الصدف أن عيسى مسعودي ومدني حواس والأمين بشيشي اقترحوا علي أن أعد برنامجا من 05 دقائق لتصحيح الأخطاء الشائعة إذاعيا، فجاءت فكرة "لغتنا الجميلة"، وبعد تردد قررت خوض المغامرة، وأعددت بطاقة فنية وعرضتها على فتحي سعيدي الذي كان طالبا قيما سبق لدي، وبعد اختبار المذيعين والمذيعات وقع الاختيار على شميسة وعبد الحفيظ الطويل". وبعد سنوات طويلة حقق فيها البرنامج نجاحا ملفتا تم توقيفه من دون سبب واضح، ورغم محاولاته لإعادة إنتاجه إلا أن الوضع بقي على حاله.
-
-
رسالة إلى عز الدين ميهوبي
-
دعا الأستاذ محمد فارح كاتب الدولة المكلف بالاتصال عزالدين ميهوبي إلى إعادة هذا البرنامج للإذاعة الوطنية، وكذا إنتاج نسخة له في التلفزة الوطنية، لأن دور وسائل الإعلام الثقيلة في نشر اللغة العربية لدى الأوساط الشعبية.
-
للإشارة فإن الأستاذ محمد فارح عضو















